محمد بن جرير الطبري

51

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ الآن انقطع طمع الأحزاب وأهل الكفر والجحود أيها المؤمنون من دينكم ، يقول : من دينكم أن تتركوه ، فترتدوا عنه راجعين إلى الشرك . كما : حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : قوله : الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ يعني : أن ترجعوا إلى دينهم أبدا . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ قال : أظن يئسوا أن ترجعوا عن دينكم . فإن قال قائل : وأي يوم هذا اليوم الذي أخبر الله أن الذين كفروا يئسوا فيه من دين المؤمنين ؟ قيل : ذكر أن ذلك كان يوم عرفة ، عام حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ، وذلك بعد دخول العرب في الإسلام . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال مجاهد : الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ اليوم أكملت لكم دينكم ؛ هذا حين فعلت . قال ابن جريج . وقال آخرون : ذلك يوم عرفة في يوم جمعة لما نظر النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم ير إلا موحدا ولم ير مشركا ؛ حمد الله ، فنزل عليه جبريل عليه السلام : الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ أن يعودوا كما كانوا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ قال : هذا يوم عرفة . القول في تأويل قوله تعالى : فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ يعني بذلك : فلا تخشوا أيها المؤمنون هؤلاء الذين قد يئسوا من دينكم أن ترجعوا عنه من الكفار ، ولا تخافوهم أن يظهروا عليكم فيقهروكم ويردوكم عن دينكم ، وَاخْشَوْنِ يقول : ولكن خافون إن أنتم خالفتم أمري واجترأتم على معصيتي وتعديتم حدودي ، أن أحل بكم عقابي وأنزل بكم عذابي . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ فلا تخشوهم أن يظهروا عليكم . القول في تأويل قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : يعني جل ثناؤه بقوله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ اليوم أكملت لكم أيها المؤمنون فرائضي عليكم وحدودي ، وأمري إياكم ونهيي ، وحلالي وحرامي ، وتنزيلي من ذلك ما أنزلت منه في كتابي ، وتبياني ما بينت لكم منه بوحيي على لسان رسولي ، والأدلة التي نصبتها لكم على جميع ما بكم الحاجة إليه من أمر دينكم ، فأتممت لكم جميع ذلك ، فلا زيادة فيه بعد هذا اليوم . قالوا : وكان ذلك في يوم عرفة ، عام حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع . وقالوا : لم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية شيء من الفرائض ولا تحليل شيء ولا تحريمه ، وإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعش بعد نزول هذه الآية إلا إحدى وثمانين ليلة . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وهو الإسلام ، قال : أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان فلا يحتاجون إلى زيادة أبدا ، وقد أتمه الله عز ذكره فلا ينقصه أبدا ، وقد رضيه الله فلا يسخطه أبدا . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ هذا نزل يوم عرفة ، فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام ، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات ، فقالت أسماء بنت عميس : حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الحجة ، فبينما نحن نسير إذ تجلى له جبريل صلى الله عليه وسلم على الراحلة ، فلم تطق الراحلة من ثقل ما عليها من القرآن ، فبركت ، فأتيته فسجيت عليه برداء كان علي حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : مكث النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما نزلت